الأندلس
الأندلس من الفتح الى السقوط
في عام 92 هـ، كان البحر هادئاً على غير عادته، وكأنه يتهيأ لحدث سيغير مجرى التاريخ. عبرت السفن من شمال إفريقيا وعلى متنها رجال يقودهم "طارق بن زياد". وتذكر بعض الروايات التاريخية أنه حين وصل إلى اليابسة، غرس في قلوب جنوده فكرة واحدة لا رجعة فيها: "إما النصر.. أو الشهادة"، فوقف يخاطبهم قائلاً: "البحر من ورائكم، والعدو أمامكم"، فلم يكن أمامهم إلا التقدم.
انتصر المسلمون على لذريق في معركة "وادي لكة"، وبدأت الأندلس تفتح مدينة بعد مدينة؛ لا بالسيف وحده، بل بالعدل وبنظام حضاري لم تعرفه تلك الأرض من قبل.

زمن الازدهار
مرت السنوات وصارت الأندلس جوهرة العالم. في قرطبة، كانت الشوارع مضاءة، والمكتبات الأحداث: عبد الرحمن الداخل (صقر قريش)، الذي هرب من المشرق بعد سقوط الدولة الأموية، طاردته السيوف لكنه لم يهرب من حلمه، فدخل الأندلس وحوّلها إلى دولة قوية ممتدة الأثر. وتعاقبت الأجيال حتى بلغت الأندلس ذروة عظمتها السياسية والعلمية في عهد حفيده الخَليفة عبد الرحمن الناصر، حتى قيل: «من لم يزر قرطبة، لم يزر الحضارة».


بداية السقوط
المجد لا يسقط فجأة، بل ينهار عندما ينقسم أصحابه.
تفككت الدولة وصارت الأندلس مجزأة بين "ملوك الطوائف" ، كل مدينة مملكة، وكل ملك يخاف جاره أكثر من عدوه، بل وتحالف بعضهم مع الأعداء ضد إخوتهم، ودُفعت الجزية لمن كان يخشاهم بالأمس. ورغم محاولات الإنقاذ التاريخية على يد المرابطين ثم الموحدين، إلا أن المرض كان قد تسلل عميقاً: حب السلطة، تشتت الكلمة، ونسيان الهدف.
غرناطة.. الفصل الأخير
لم يتبقَ في النهاية سوى غرناطة ، مدينة جميلة لكنها محاصرة بالخوف. وفي سنة 1492م، سلّم حاكمها أبو عبد الله محمد الثاني عشر (المعروف بـ "بوابديل") مفاتيح غرناطة إلى الملكين الكاثوليكيين "فرديناند وإيزابيلا" بموجب معاهدة استسلام عُرفت بـ "اتفاقية غرناطة".
وبعد تسليمه المفاتيح، خرج باهتاً من المدينة، ونظر خلفه باكياً، فقالت له أمه عائشة الحرة كلماتها القاسية الخالدة:
«ابكِ كالنساء مُلكاً لم تحافظ عليه كالرجال».
بسقوط غرناطة، لم تسقط مدينة فقط، بل سقطت ثمانية قرون من الحضارة، أُحرقت الكتب، وطُرد المسلمون أو أُجبروا على التنصّر، وصمتت المآذن.. لكن الذكرى لم تصمت.

ما بقي من الأندلس
سقطت الأندلس كدولة، لكنها بقيت في قلوبنا كفكرة: أن الحضارة تُبنى بالعلم والعدل لا بالقوة الفانية، وأن الانقسام الداخلي أخطر من العدو الخارجي. الأندلس اليوم أطلال، ومساجد تحول بعضها إلى كنائس، لكنها ما زالت تحيا في الكتب، الذاكرة، والقصائد.
سقطت الأندلس حين قُدّمت اللذة على المسؤولية، والفرقة على الوحدة، والكرسي على الأمة، في حين كانت إسبانيا النصرانية آنذاك تتحد وتبني مجدها من جديد.
من روائع الحنين الأندلسي (ابن زيدون في شوقه لقرطبة):
أَضحى التَنائي بَديلاً مِن تَدانينا ... وَنابَ عَن طيبِ لُقيانا تَجافينا
أَلّا وَقَد حانَ صُبحُ البَينِ صَبَّحَنا ... حَينٌ فَقامَ بِنا لِلحَينِ ناعينا
مَن مُبلِغُ المُبلِسينا بِاِنتِزاحِهِمُ ... حُزناً مَعَ الدَهرِ لا يَبلى وَيُبلينا
مفاتيح تاريخية


المقال جميل جدا
لكن أريد أن أشير إلى قولة مكذوبة لطارق بن زياد وهي "البحر من ورائكم والعدو أمامكم"، هذه القولة استعملها الصليبيون من أجل تبرير انتصار المسلمون، بحجة أنهم لم يكن لديهم أي خيار سوا المحاربة، ولو أنه كانت وسيلة للهروب لهربوا، لكن ما كان في قلوب المسلمون عكس ذلك فحتى لو كانت هناك وسيلة للهروب لن يهربوا لأن هدفهم كان واحد وهو الجهاد والانتصار.
مقال رائع وملفت لكن هناك مقوله هي(ابكِ كالنساء مُلكاََ لم تحافظ عليه كالرجال) هذه المقوله غير مؤكدة تاريخياً. يرجح المؤرخون أنها من تأليف الكاتب الإسباني أنطونيو دي جيبارا أتمنى تراجع هذه المعلومه، وشكرا على المقال الجميل